السيد عبد الأعلى السبزواري
44
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
ذكر عزّ وجلّ أمرين هما من أهمّ الأمور في هذا الدين ، أحدهما يهتمّ بما يرتبط بين العبد وخالقه - وهي الصلاة الّتي فيها الخشوع ، والخضوع ، والعبادة للّه الواحد الأحد . والثاني يعتني بما بين أفراد المؤمنين ، وهي الزكاة الّتي تزيد في تماسكهم ، وتحتوي روح التعاون والتراحم بينهم . وهما من شعائر هذا الدين القويم تزيدان في إيمان المؤمنين وتمكّنه في قلوبهم ، وبهما يشتدّ أمر الدين ويقوم صلبه ، وتتهيّأ نفوسهم للقتال ومصارعة الباطل في ميدان الجهاد ، وبدون ذلك ليس لهم أي استعداد للقتال ، كما أنّه لولا ذلك لآل أمر الدين إلى الزوال وانفصمت عراه وانهدمت أركانه . قوله تعالى : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ . تصوير لحالهم من داخل نفوسهم وإظهارها بأنّها لم تكن على استعداد للقتال . والمراد من الناس هم الكفّار ، أي أنّهم يخافون الكفّار لئلّا يقتلوهم ، وهذا يكشف عن اشتغال نفوسهم وتعلّق قلوبهم بما أوجب تكاسلهم وتقاعسهم عن القتال ، وهذا ما يبيّنه عزّ وجلّ في الآية التالية ، وهو متاع الدنيا الفانية الزائلة . قوله تعالى : كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً . أي يخشون الكفّار كما يخشون اللّه تعالى بأن ينزل عليهم عذابه بتركهم أوامره وإعراضهم عن طاعته ، ولما كان التساوي بين أمرين يقتضي الميل إلى أحدهما تارة والى الآخر أخرى ، إلّا أنّهم رجّحوا خشية الناس ، فكانت خشيتهم أشدّ من خشية اللّه تعالى ؛ لأنّ الجبن قد تمكن في قلوبهم . و ( خشية ) منصوب على الحاليّة أو على التمييز ، كما سيأتي .